الفيض الكاشاني

134

الوافي

يقال إنه أربعة فراسخ نظرا إلى أحد الفردين وهو حالة الذهاب خاصة ولهذا ورد أخبار أول الباب بالأربعة فإن من يسافر أربعة فراسخ فإنما يسافر في الحقيقة ثمانية فراسخ لأنه إذا رجع صار سفره ثمانية وقد بين ذلك بيانا شافيا في خبري زرارة ومحمد حيث قيل بريد ذاهب وبريد جائي وزيد في التبيين في خبر زرارة حيث قيل وإنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ وإما خبر محمد حيث تعجب من قوله بريد لما كان قد سمع أنه بياض يوم فأجابه عليه السّلام بأنه إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه فلا دلالة فيه على أنه لا بد له الرجوع من يومه حتى يتحتم له التقصير كما ظن بل المراد به أن سفره يصير حينئذ بمقدار بياض يوم فهو أيضا دليل على ما قلناه صريح فيما فهمناه . فإن قيل أخبار الأربعة مطلقة لا إشعار فيها بالإياب قلنا حمل المطلق على المقيد شائع غير مستنكر فهي وإن كانت مطلقة لكن يجب حملها على المقيدات . وأيضا فإن أخبار هذا الباب كلها مقيدة بقيود أخرى يأتي ذكرها في الأبواب الآتية على أن الغالب في السفر المراجعة فيجوز الإطلاق لهذا الوجه أيضا ولهذا اقتصر صاحب الكافي على أخبار الأربعة ولم يتعرض أصلا لشيء من أخبار الثمانية ولا للأخبار المفصل فيها بالذهاب والمجيء وأما صاحبا الفقيه والتهذيب فزعما أن هذه الأخبار مختلفة متنافية فراما التوفيق بينها فحملا أخبار الأربعة على ما إذا أراد المسافر الرجوع من يومه وإلا فهو مخير بين القصر والإتمام وأخبار الثمانية على تحتم القصر واستدلا على ذلك بأخبار زرارة ومحمد وابن وهب واستدل في التهذيب على اشتراط الرجوع من يومه بخبر محمد . وقد دريت أنه لا دلالة فيه على ذلك ولا في خبر آخر مع كثرة الأخبار الواردة في ذلك وكذلك لا إشعار في شيء من الأخبار بالتخيير أصلا بل أخبار عرفات كلها تنادي بتحتم التقصير ولا رجوع لأهل مكة من عرفات إلا بعد أيام ولو جاز الإتمام لهم كما جاز القصر لما وقع الإنكار والذم والتقريع عنهم